لقد عبرت البشرية عتبة حرجة سيتوجب علينا بعدها أن نتكيف مع مجموعة جديدة كلياً من الظروف. سيتطلب هذا جهداً موحداً بين الحكومات والشعوب لبلوغ مستويات جديدة من المهارة والتقنية والتعاون، لتلبية متطلبات العيش في عالم يتغير تغيراً جذرياً.

في صميم هذا الجهد الموحد تكمن الشجاعة والقدرة الموجودتان داخل الناس على رؤية ما هو آتٍ، ومعرفة ما يجب فعله، والتصرف بحكمة في مواجهة عدم اليقين والاضطراب المتزايدين. لقد وهبتنا الطبيعة هذه الشجاعة وهذه المجموعة من القدرات، لكنها أصبحت كامنة ومنسية داخل الأسرة البشرية. وأكثر من أي شيء آخر، فإن هذه القدرات هي التي ستحدد كيف، بل وما إذا كانت البشرية ستستعد لـالموجات العظيمة من التغيير ولنوع العالم الذي سيتوجب علينا جميعاً مواجهته نتيجة لذلك.

في مواجهة الموجات العظيمة من التغيير، الاستعداد هو المفتاح. والاستعداد لا يتعلق فقط بتحصين حياتك الخارجية أو بمحاولة بناء نمط حياة مستدام. بل يتعلق بالاستعداد لواقع جديد كلياً. سيتطلب منك هذا الواقع الجديد أن تصبح معتمداً على نفسك وقادراً على استدعاء قوة أعمق داخلك وداخل الآخرين، قوة لا يدرك وجودها إلا قليلون حتى الآن. هذه القوة داخلك الآن، وقد كانت معك طوال الوقت. وسيكشف لك هذا الكتاب أين يمكن أن توجد وكيف يمكن أن تُستخدم.

يبدأ الاستعداد بما تراه في العالم وبما تدركه داخل نفسك. وبينما تمضي قدماً، يقوي الاستعداد قدرتك على أن تكون بصيراً وواسع الحيلة وحكيماً في استجابتك للظروف المتغيرة وغير المتوقعة.

إذا استطعت أن تدرك واقع الموجات العظيمة وقوتها في التأثير على حياتك، فسيبدأ هذا بشكل طبيعي عملية طويلة من إعادة التقييم: كيف تعيش، وأين تعيش، واستخدامك للموارد، وقوة علاقاتك أو ضعفها في مساعدتك على الاستعداد، والاتجاه الذي تحتاج حياتك حقاً إلى اتباعه.

في مواجهة التغيير الكبير وعدم اليقين، وخاصة إن لم يكن متوقعاً، لا يعتمد الناس على المنطق والعقل بقدر اعتمادهم على الافتراضات والعادات وسلوك من حولهم. لهذا السبب يكون الاستعداد الداخلي بالغ الأهمية. فبدون هذا الاستعداد الداخلي، يميل الناس إلى الانتظار حتى اللحظة الأخيرة كي يتفاعلوا، حين تكون خياراتهم قليلة، إن وُجدت أصلاً. وحين يستجيب كثيرون بهذه الطريقة، تعم الفوضى.

لدى كل واحد منا داخله ذكاء أعظم يُدعى المعرفة الروحية، لا يخاف المستقبل ولا يخاف تحدي تغيير حياتنا. هذا الذكاء الفطري لديه القوة على أن يحركنا أو يكبحنا عند الضرورة، وأن يمكّننا من إيجاد الأشخاص والفرص التي تحمل أعظم وعد لحياتنا. إن معنى هذا الذكاء الأعظم وقوته وتطبيقه تتجاوز بكثير مفاهيمنا عن الحدس والغريزة. وهنا فإن الموجات العظيمة من التغيير، رغم خطورتها وكونها غير متوقعة إلى حد بعيد، تحمل الفرصة القصوى لمن يستطيعون الاستعداد لاستعادة هذا الذكاء الأعمق، ليؤمّنوا حياتهم ويجدوا إسهامهم الفريد في عالم محتاج.

هنا ستجد، معروضة بأوضح أسلوب وأكثره صراحة، خطورة الموجات العظيمة من التغيير ونوع القرارات الجوهرية التي سيتوجب على كل واحد منا مواجهتها واتخاذها إن أردنا أن نستعد بحكمة. هناك عقلان داخلنا: عقل دنيوي تشكّله المعتقدات والمواقف السائدة في أسرنا وثقافتنا، وعقل أعمق وأقوى متحرر من هذه التأثيرات. وأي صوت داخلنا نستجيب له ونختار اتباعه سيصنع كل الفارق في قدرتنا على الرؤية والمعرفة والتصرف بحكمة حين يبدو من حولنا عاجزين أو غير راغبين في ذلك.

يضعنا هذا الكتاب في مواجهة سيناريوهات خطرة هي النتيجة المنطقية لفشلنا الجماعي في الاستجابة الكافية للموجات العظيمة من التغيير التي بدأت بالفعل تؤثر على عالمنا. وهو يخاطب السؤال الجوهري: “كيف ستعرف ما ينبغي فعله في الأوقات الصعبة القادمة؟” الحكومات لا تستطيع أن تخبرك. العلماء لا يستطيعون أن يخبروك. القادة الدينيون لا يستطيعون أن يخبروك. فكيف ستجيب عن هذا السؤال بنفسك؟ هذا الكتاب يريك كيف.

رسالة الموجات العظيمة من التغيير مباشرة ومليئة بالتحدي. وهجومها على الجهل البشري والافتراضات والغطرسة لا يلين. ومع ذلك يمنحنا هذا الكتاب رؤية حقيقية لنوع العالم الذي سيتوجب علينا مواجهته، ولأين، فوق كل شيء آخر، سنجد مصدر قوتنا وحكمتنا وشجاعتنا لنجتاز الأوقات الصعبة القادمة. تلك الأوقات الصعبة قد بدأت الآن. الموجات العظيمة من التغيير قد حلّت علينا.

مارشال فيان سمرز

سياتل، 2009